أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

228

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وجميع رواية أبي عمرو دائرة على التخفيف ، ولذلك يدغم المثلين والمتقاربين ويسهّل الهمزة ويسكّن نحو : « يَنْصُرْكُمُ » « 1 » ، و « يَأْمُرُكُمْ » « 2 » ، و « بأعلم الشاكرين » « 3 » على تفصيل معروف عند القرّاء . وروي عنه إبدال هذه الهمزة الساكنة ياء كأنه لم يعتدّ بالحركة المقدّرة ، وبعضهم ينكر ذلك عنه ، فهذه أربع قراءات لأبي عمرو . وروى ابن عطية عن الزهري « 4 » « باريكم » بكسر الياء من غير همز ، قال : « ورويت عن نافع » ، قلت : من حقّ هذا القارئ أن يسكّن الياء لأنّ الكسرة ثقيلة عليها ، ولا يجوز ظهورها إلا في ضرورة شعر كقول أبي طالب : 481 - كذبتم وبيت اللّه نبزي محمّدا * ولم تختضب سمر العواليّ بالدّم « 5 » وقرأ قتادة « 6 » : « فاقتالوا » وقال : هي من الاستقالة ، قال ابن جني : « اقتال : افتعل ، ويحتمل أن تكون عينها واوا كاقتادوا أو ياء كاقتاس ، والتصريف يضعف أن تكون من الاستقالة » ، ولكن قتادة ينبغي أن يحسن الظّنّ به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجّة عنده . والبارئ هو الخالق ، برأ اللّه الخلق أي خلقهم ، وقد فرّق بعضهم بين الخالق والبارئ بأنّ البارئ هو المبدع المحدث ، والخالق هو المقدّر الناقل من حال إلى حال . وأصل هذه المادة يدل على الانفصال والتميّز ، ومنه : برأ المريض برءا وبرءا وبرئت وبرأت أيضا من الدّين براءة ، والبريّة الخلق ، لأنهم انفصلوا من العدم إلى الوجود ، إلا أنّه يهمز ، وقيل : أصله من البرى وهو التراب ، وسيأتي تحقيق القولين في موضعه إن شاء اللّه تعالى . قوله : « ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ » قال بعضهم : « ذلكم مفرد واقع موقع « ذانكم » المثنّى ، لأنه قد تقدّم اثنان : التوبة والقتل . قال أبو البقاء : « وهذا ليس بشيء ، لأنّ قوله : « فاقتلوا » تفسير التوبة هو واحد » و « خير » أفعل تفضيل وأصله : أخير ، وإنما حذفت همزته تخفيفا ، ولا ترجع هذه الهمزة إلا في ضرورة ، قال : 482 - بلال خير الناس وابن الأخير « 7 » ومثله شرّ ، لا يجوز أشرّ ، إلا في ندور ، وقد قرئ : « من الكذاب الأشر » « 8 » وإذا بني من هذه المادة فعل تعجّب على أفعل فلا تحذف همزته إلا في ندور كقولهم : « ما خير اللبن للصحيح ، وما شرّه للمبطون » فخير وشرّ قد خرجا عن نظائرهما في باب التفضيل والتعجّب ، و « خير » أيضا مخفّفة من خيّر على فيعل ولا يكون من هذا الباب ، ومنه : « فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ » « 9 » قال بعضهم : « مخفّف من خيّرات » . والمفضّل عليه محذوف للعلم به ، أي : خير لكم من عدم التوبة . ولأفعل التفضيل أحكام كثيرة وشروط منتشرة لا يحتملها هذا الكتاب ، وإنما نأتي منها بما نضطرّ إليه . قوله تعالى : فَتابَ عَلَيْكُمْ في الكلام حذف ، وهو : ففعلتم ما أمرتم به من القتل فتاب عليكم . والفاء

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 160 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 67 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 53 ) . ( 4 ) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري من ثقات التابعين توفي سنة 124 ه ، انظر غاية النهاية ( 2 / 262 ) . ( 5 ) البيت في الهمع ( 1 / 53 ) ، الدرر ( 1 / 30 ) ، البحر ( 1 / 207 ) . ( 6 ) قتادة بن دعامة الدوسي من ثقات التابعين توفي سنة 188 ه غاية النهاية ( 2 / 25 ) . ( 7 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 204 ) ، القرطبي ( 17 / 139 ) ، الدرر ( 2 / 224 ) . ( 8 ) سورة القمر ، آية ( 26 ) . ( 9 ) سورة الرحمن ، آية ( 70 ) .